أحمد بن محمد المقري التلمساني

177

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

يحمل الفقيه ؟ وما يحسن من العلوم ؟ وما يقول ؟ فقال لهم : أحمل اثني عشر ألف دينار ، وها هي تحت إبطي ، وأخرج لهم اثنتي عشرة ياقوتة ، كلّ واحدة منها بألف دينار ، وأمّا الذي أحسنه فاثنا عشر علما أدونها علم العربية الذي تبحثون فيه ، وأما الذي أحسنه فاثنا عشر علما أدونها « 1 » علم العربية الذي تبحثون فيه ، وأما الذي أقول فأنتم كذا ، وجعل يسبهم ، هكذا نقلت هذه الحكاية من خطّ الشيخ أبي حيان النحوي ، رحمه اللّه تعالى ! [ عباس بن فرناس حكيم الأندلس ] ومن حكاياتهم في الذكاء واستخراج العلوم واستنباطها أنّ أبا القاسم عباس بن فرناس ، حكيم الأندلس ، أوّل من استنبط بالأندلس صناعة الزجاج من الحجارة وأوّل من فكّ بها كتاب العروض للخليل ، وأوّل من فكّ الموسيقى ، وصنع الآلة المعروفة بالمنقالة « 2 » ، ليعرف الأوقات على غير رسم ومثال ، واحتال في تطيير جثمانه ، وكسا نفسه الريش ، ومدّ له جناحين ، وطار في الجوّ مسافة بعيدة ، ولكنه لم يحسن الاحتيال في وقوعه ، فتأذّى في مؤخره ، ولم يدر أنّ الطائر إنما يقع على زمكّه « 3 » ، ولم يعمل له ذنبا ، وفيه قال مؤمن بن سعيد الشاعر من أبيات : [ الطويل ] يطمّ على العنقاء في طيرانها * إذا ما كسا جثمانه ريش قشعم « 4 » وصنع في بيته هيئة السماء ، وخيّل للناظر فيها النجوم والغيوم والبروق والرعود ، وفيه يقول مؤمن بن سعيد أيضا : [ المنسرح ] سماء عباس الأديب أبي ال * قاسم ناهيك حسن رائقها أمّا ضراط استه فراعدها * فليت شعري ما لمع بارقها لقد تمنّيت حين دوّنها * فكري في البصق في است خالقها « 5 » وأنشد ابن فرناس الأمير محمدا من أبيات : [ الطويل ] رأيت أمير المؤمنين محمدا * وفي وجهه بذر المحبّة يثمر فقال له مؤمن بن سعيد : قبحا لما ارتكبته ! جعلت وجه الخليفة محرثا يثمر فيه البذر ، فخجل وسبّه .

--> ( 1 ) أدونها : أقلها قيمة . ( 2 ) في ب : « بالمنقانة » وفي أ ، ه « المنقالة » . وفي ج « المثقال » . وهي الساعة أي آلة حساب الوقت . ( 3 ) في ه : « زمكته » . والزمك - بكسر الزاي والميم وتشديد الكاف - ذنب الطائر . ومثله الزمكي ، بزيادة ألف مقصورة . ( 4 ) القشعم : النسر . ( 5 ) في ب : « حين دوّمها . . فكري بالبصق . . » .